حسن بن موسى القادري
246
شرح حكم الشيخ الأكبر
فعلى هذا لا فائدة في قوله تعالى : فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [ الأنعام : 149 ] ؛ لأنها لا تظهر إلا إذا كانت عين الممكن قابلا للشيء ونقيضه ، وإذا كان الممكن لا يقبل إلا أحد النقيضين دون الآخر ، ففائدته غير ظاهرة إلا أن يقال : أن ( لو ) فيه يدلّ على امتناع التالي لامتناع المقدم ، ففائدة الآية امتناع هداية الكل لامتناع تعلق المشيئة بها ؛ إذ الأعيان الثابتة بعضها قابل للهداية ، وبعضها قابل للضلالة ؛ لأنها قابلة لأحد الأمرين لا على التعيين ، ثم يرجح أحد النقيضين بمشيئته واختياره على ما جازه العقل ؛ لأنه قاصر عن إدراك ما هو الأمر عليه في نفسه ، والأمر في نفسه على ما ذكرنا ؛ لأن المشيئة تابعة للعلم وهو تابع للمعلوم لا يتعلق به إلا على ما هو عليه في نفسه فما شاء إلا ما هو الأمر عليه ، فكل عين إمّا تعلقت المشيئة بهدايتها أن اقتضتها أولا تتعلق بها ، بل بضلالتها إن لم تقضها خلاف ذلك لا يكون ، فحينئذ مشيئة تعالى الأزلية هي الاختيارية الثابت له تعالى لا على النحو المتصور من اختيار الخلق ، وهو التردد الواقع بين أمرين ممكني الوقوع عنده ، فيترجح أحدهما لمزيد فائدة ومصلحة ، فإن هذا مستنكر في حقه لعدم صحة التردد لديه ، وإمكان حكمين مختلفين بالنسبة إليه ؛ لأنه لا يمكن سوى ما هو المراد في نفسه ، ولا يوهم أن العلم حقا جبر ، فيكون تعالى فاعلا بالإيجاب لعدم إمكان خلاف متعلقه ؛ لأن نقول : العلم كاشف لا مؤثر ، وتعلقه بحسب المعلوم ، فالجبر من المعلوم على نفسه ، والعلم من حيث أن تعلقه به تابع لما هو عليه ، فقولهم : إن شاء أوجد العالم ، وإن لم يشأ لم يوجده معناه أنه تعالى شاء فأوجد العالم ، وإن لم يشأ لم يوجده صادق لكن صدق الجملة الشرطية لا يقتضي صدق المقدم ، فلو لم تتعلق المشيئة بإيجاده لم يوجده لكن تعلقت ، فلا يمكن عدم الإيجاد . والحاصل أن إن لم يشأ غير صادق ، بل ليس بممكن لّما مرّ . وقوله تعالى : وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً [ الفرقان : 45 ] . وقوله : إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ [ إبراهيم : 19 ] وأمثالهما مثل قوله تعالى : فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ [ الأنعام : 149 ] في إفادة امتناع أمر لامتناع المشيئة لما ذكرنا من أن مقتضى الأعيان لا يتبدل ، أو نقول : أمثال هذه الآيات لنفي الإيجاب المتوهم للعقول الضعيفة كيف ؟ وإنه ما ثمّة سواه ، أو باعتبار أن الحق تعالى بذاته غني عن العالمين ، فمن